السفيرمقالات

"المنتصر…" ونزعة الإبادة

عندما يدور الحديث عن السلام مع "اسرائيل"، يجنح الكلام نحو التطبيع، فينقسم الفريق المنادي بالسلام إلى رأيين، رأي ينادي بالتطبيع، ورأي يحجم خوفا من "الغزو الثقافي" أو غيرها من المصطلحات التي إن دلّت على شيء، فعلى عدم الثقة بقدرة الثقافة العربية على الصمود، بل والتفوق على "الحضارة" الاسرائيلية، القائمة على الأساطير وتزوير التاريخ.
هنا ينقسم الحديث إلى شقين. الشق الأول يتحدد بقدرتنا على كشف هذا التزوير، الذي تمارسه إسرائيل منذ عقود، بدءاً بمقولة: "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، التي أسقطتها انتفاضات الشعب الفلسطيني المتلاحقة، والتي أكدت للعالم كلّه على وجود شعب مسالم لا يملك سوى حجارة الأرض سلاحاً يدافع فيه عن هذه الأرض، أمام جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية، وكان "مخيم جنين" شاهداً على إجرام الإسرائيليين وتحديداً في جنين بما هي رمز خيّل إليهم أنّ بالإمكان محوه.
واسرائيل المنهمكة في عمليات التزوير المنهجية، استولت على أرشيفات الكثير من المكتبات والوزارات وغيرها من مراكز التأريخ والمراكز الثقافية، أثناء اجتياحها الأخير للمناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، كما في اجتياحاتها السابقة، واحتلالاتها، ومنها للبنان، وصولاً إلى العاصمة بيروت حيث جرى نهب في المتحف الوطني وغيره من الصروح الثقافية والفنية والتاريخية.
هذا التزوير الوقح للتاريخ ليس جديداً على "شعب الله المختار"، وقد سبقهم إليه الأميركيون أو "الحجاج الإنكليز"، كما يسمون أنفسهم، يوم كانوا أوائل المستعمرين الأوروبيون للعالم الجديد، فقاموا بتدمير منهجي لكل ما أمكن الوصول إليه من الدلائل والأدلة والوثائق والآداب والفنون والهندية، كما يوضح "منير العكش" في كتابه – الشهادة "أميركا والإبادات الجماعية"، حيث قول أنّ "هندية الهنود تشرب الأنخاب المسمومة منذ عام 1870 وكانت صيحات التذويب الثقافي تواكب حفلات السلخ وتدعو إلى تدمير هذه "الهندية" وإعادة بنائها بحجارة التاريخ الأبيض والدين الأبيض واللغة البيضاء. فالاستيلاء على ما تبقى من أرض الهنود لا يتم إلا بتدمير هندية الهنود: ثقافتهم وبنيتهم الإجتماعية…". ويقول المفوض الشؤون الهندية في الولايات المتحدة عام 1921، شارلز بيرك أنّ "ثقافة الهنود مضرّة بالمصلحة الوطنية". وقد تمّ "تعقير" هذه الثقافة، باستكمال أعمال الإبادة المنهجية بالأسلحة الجرثومية، عبر "غسل عقول" من تبّقى منهم في معسكرات مدرسية، يخرج منها الطفل الهندي متحمساً للكابوي الذي يلاحق الهنود ويقتلهم!! هذا العمل الدنيء، صار يستند اليوم إلى أسلحة أشد فتكاً من المناهج التعليمية "الملغومة" والتي باتت تفرض في بعض الدول العربية، صار يستند إلى الإعلام (المرئي والمسموع… والمكتوب)، والأفلام الهوليودية، وأفلام الكرتون…
هذه الإبادة الجماعية للهنود، التي قامت على أساسها "الحضارة الأميركية"، هي أحد أسباب التعاطف مع "المبيد" الإسرائيلي "للصرصار" العربي، (بحسب تعبير دائرة الأنتروبولوجيا في مؤسسة سيمشونيان "الثقافية").
هذه الإبادة الإسرائيلية تحاول أن تنسخ التجربة الأميركية "الرائدة"، لإبادة ثقافتنا العربية، بطرق أكثر حداثة وتطوراً، وقد بانت أولى خيوط خطتها في العراق وفلسطين، على أن تصل لاحقاً إلى دول عربية أخرى، كالسعودية ربما، بعد تصنيفها على لائحة الأعداء!.
هنا يطرح السؤال حول مدى قدرتنا كعرب، للعمل على أساس هذا الكشف (الذي نأمل أن يكون مبكراً) عن نوايا الإسرائيليين، الذي يعتبرون السلام فرصة للاستجمام ولتجميع القوى وتطوير القدرات لتحسين القدرة القتالية. والسؤال الذي يتمحور حوله هذا الموضوع هو: "هل هزمنا، وهل بإمكان "المنتصر" الصهيوني أن يفرض ثقافته، أم أننا في طور المعركة ويجب أن نزيد من فعالية دفاعاتنا وأن نحصن ثقافتنا بالحرية والديمقراطية؟".
الجواب هو أنّ المعركة مستمرة ولا داعي للبكاء على الأطلال. لكن مشروعاً بتمويل مليون دولار "يتيم" مقابل مشروع أميركي "لغسل عقول" العرب بكلفة مئتين وأربعين مليوناً، ليس بخطوة حذقة في أرض هذه المعركة المقررة والمخطط لها منذ مؤتمر الصهاينة الأوّل أيام تيودور هرتزل.
هذه الخطوة الغبية، تتزامن وتلحق وتسبق بخطوات أكثر غباء، كمصادرة الكتب التي تحاول العبور بالإسلام إلى الضفة الآمنة، بعيداً عن أسنان الأصولية التي لم تأكل سوى ما تبقى طازجاً من الأصوليات السابقة.
بالمناسبة لا بد من تذكير من ينجرون وراء الاتفاقيات المنفردة للصلح مع اسرائيلـ بما آل إليه مصير الهنود في أميركا: القتل والتدمير والحرق والإبادة الثقافية والبشرية. علماً بأنّ الإبادة كما تمارس اليوم تهدف بشكل غير مباشر إلى إبادة ثقافة الآخر (غير الأميركي وغير الإسرائيلي) عبر ترويج "سلع المنتصر" ومن الملابس إلى المساحيق، إلى أفلام غسل الأدمغة وكتب التزييف ومآكل الـ"فاست فود" التي كادت تقتصر بالنسبة إلى شباب على "الهامبورغر" و"البيتزا" و"الكلب الحار" (هوت دوغ).
إذا كان المهزوم يتمثل بالمنتصر حسب قول "ابن خلدون" في مقدمته الشهيرة، فهل هذا يعني أننا هزمنا وهم انتصروا؟
الجواب مفتوح للتاريخ، الذي نخشى أن لا يذكرنا ليرحم، إذا ما استمرينا على هذا النمط الصدئ من أنماط العيش والتفكير والتعامل مع الآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق